عبد الوهاب الشعراني

172

تنبيه المغترين

وكان بشر الحافي رحمه اللّه تعالى يقول : عجبا للناس يقع أحدهم في عرض أخيه وهو غائب فإذا حضر أظهر محبته وسارع إلى مدحه فمن زعم أن اللّه تعالى يحبه وهو يقرض في أعراض الناس فهو كاذب ، لأنه شيطان والشيطان عدو اللّه ، وكان يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى يقول : من عقل العاقل أن لا يعير أحدا بذنب فإني ربما عيرت أحدا بذنبه فابتليت بذلك الذنب بعد عشرين سنة . وقد بلغنا أن عيسى صلى اللّه عليه وسلم كان يقول لا تنظروا في عيوب الناس كأنكم أرباب وانظروا في عيوبكم لأنكم عبيد فإن الناس رجلان مبتلى ومعافى فارحموا أهل البلاء واشكروا اللّه على العافية ، وقد كانت رابعة العدوية رحمها اللّه تقول : إن العبد إذا ذاق محبة اللّه تعالى أطلعه على مساوئ عمله فشغله بها عن مساوئ الناس ، وكان مجاهد رحمه اللّه تعالى يقول : لو بغى جبل على جبل لهد الباغي منهما . ( قلت ) ومما ينبغي التفطن له احتساب العبد باللّه تعالى على من ظلمه فإنه يهلكه بذلك وإن هذا أعظم في هلاكه من مقابلته بالبغي عليه في الظاهر ، فما تركه هذا ظاهرا قابله بأشد منه في الباطن فينبغي لمن بغى عليه أن لا يحتسب باللّه على عدوه بل يسأل اللّه تعالى أن لا يؤاخذه بسببه واللّه أعلم ، وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يقول : رحم اللّه من أهدى إلي عيوبي ، وكان عبد اللّه التيمي رحمه اللّه تعالى يقول : لا يعيب الرجل الناس إلا بفضل ما عنده من العيب ، وكان الشعبي رحمه اللّه تعالى يقول : من استقصى عيوب إخوانه بقي بلا صديق فقد بلغنا أن الناس أتوا أمير المؤمنين عليا رضي اللّه عنه برجل عليه حد والناس حوله كالجراد ، فقال علي رضي اللّه عنه أنشد باللّه أن كل شخص أتى منكم هذا الحد فلينصرف فانصرفوا كلهم ا ه . فاحفظ لسانك يا أخي فإن من شق جيب الناس شقوا جيبه ، وإياك أن تنسى نفسك إذا اطلعت على عيب أخيك المسلم بل الواجب عليك أن تجعل ذلك مذكرا لعيبك فإن الطينة واحدة وما جاز وقوعه من غيرك جاز وقوعه منك ، وفي الحديث [ من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمل ذلك الذنب ] ا ه . ( قلت ) وإذا أطلعك اللّه تعالى على عيب أحد من طريق كشفك فاستغفر اللّه تعالى فإنه كشف شيطاني فاعلم ذلك يا أخي واحذره كل الحذر ، والحمد للّه رب العالمين .